محمد حسين الذهبي
86
التفسير والمفسرون
مكان أحد أعلم بكتاب اللّه منى تناوله المطايا لأتيته ) ، وهذا الأثر يدل على إحاطة ابن مسعود بمعانى كتاب اللّه ، وأسباب نزول الآيات ، وحرصه على تعرف ما عند غيره من العلم بكتاب اللّه تعالى ولو لقى عنتا ومشقة ، وقال مسروق كان عبد اللّه يقرأ علينا السورة ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار ، وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي البحتري قال : قالوا لعلى : أخبرنا عن ابن مسعود ، قال : علم القرآن والسنة ثم انتهى ، وكفى بذلك علما ، وقال عقبة ابن عامر : ما أدرى أحدا أعلم بما نزل على محمد من عبد اللّه ، فقال أبو موسى : إن تقل ذلك ، فإنه كان يسمع حين لا نسمع ، ويدخل حين لا ندخل ، وصح عن ابن مسعود أنه قال : أخذت من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعين سورة ، وقال أبو وائل : لما حرق عثمان المصاحف بلغ ذلك عبد اللّه فقال : لقد علم أصحاب محمد أنى أعلمهم بكتاب اللّه وما أنا بخيرهم ، ولو أنى أعلم أن أحدا أعلم بكتاب اللّه منى تبلغه الإبل لأتيته ، قال أبو وائل : فقمت إلى الحلق أسمع ما يقولون ، فما سمعت أحدا من أصحاب محمد ينكر ذلك عليه . . . وغير هذا كثير من الآثار التي تشهد لمنزلة ابن مسعود العالية في التفسير ، وإذا كان ابن مسعود يعلم هذا من نفسه ويتحدث به ، فإن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم ينكروا عليه ذلك ، بل وتحدثوا بمكانته في العلم ، ومقدار فهمه لكتاب اللّه ، وعلل ذلك أبو موسى الأشعري رضى اللّه عنه ؛ بأنه كان يسمع حين لا يتيسر لهم السماع ، ويدخل حين لا يؤذن لهم بالدخول ، الأمر الذي جعله أوفر حظا في الأخذ عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأعظم نصيبا من الاعتراف من منهل النبوة الفياض ، ولئن صح عن أبي الدرداء أنه قال بعد موت ابن مسعود : ما ترك بعده مثله ، لهى شهادة منه على مقدار علمه ، وسمو مكانته بين أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبالجملة فابن مسعود كما قيل : أعلم الصحابة بكتاب اللّه تعالى ، وأعرفهم بمحكمة ومتشابهه وحلاله وحرامه ، وقصصه وأمثاله ، وأسباب نزوله ، قرأ القرآن فأحل حلاله وحرم حرامه ، فقيه في الدين ، عالم بالسنة ، بصير بكتاب اللّه .